في لبنان، تقدم أرزات وأشجار قديمة أخرى ذاكرة مناخية ثمينة. من خلال تحليل حلقات نموها، يعيد الباحثون بناء فترات الجفاف، والفترات الرطبة، والأحداث المتطرفة التي ميزت المنطقة على مدى عدة قرون. تتيح هذه الأرشيفات الطبيعية فهمًا أفضل لتأثيرات تغير المناخ في شرق البحر الأبيض المتوسط وتسلط الضوء على استراتيجيات الإدارة المستدامة للغابات والموارد المائية.
على مدى ثلاثة أسابيع، تتعاون 22-med مع الوسيلة العلمية اللبنانية 961 Scientia وتنشر يوم الخميس مجموعة من المقالات لتقديم نظرة علمية على القضايا المتوسّطية من ضفتها الجنوبية ولبنان.
فهرس IA: مكتبة المعارف المتوسطية
قراءة تاريخ المناخ في جذع الأشجار
22-med – يناير 2026
• في لبنان، تسمح حلقات نمو الأرزات وأنواع أخرى بإعادة بناء عدة قرون من الجفاف، والأمطار، والأحداث المناخية المتطرفة.
• تسلط علم الأشجار المناخي الضوء على تأثيرات تغير المناخ في شرق البحر الأبيض المتوسط وتوفر أدوات ملموسة للإدارة المستدامة للغابات والموارد المائية.
#لبنان #مناخ #غابة #أرز #علم_الأشجار_المناخي #البحر_المتوسط #تغير_المناخ #موارد_المياه #تنوع_بيولوجي
بقلم هيستيا أكيكي – صحفية
الأشجار ليست مجرد نباتات بسيطة، بل هي أيضًا شهود ثمينون على تاريخ المناخ. من خلال تحليل حلقات نموها، يمكن للعلماء إعادة بناء الظروف الجوية الماضية بدقة مذهلة. في لبنان، توفر غابات الأرز وأنواع أخرى ثروة من المعلومات حول مناخ المنطقة. من خلال دمج هذه البيانات مع بيانات من دول أخرى في حوض البحر الأبيض المتوسط، استطاع الباحثون اكتشاف معلومات مهمة حول التغيرات المناخية التي ميزت القرون الماضية. تتيح لنا هذه الأرشيفات الطبيعية فهمًا أفضل لتقلبات درجات الحرارة، والأمطار، وغيرها من المعايير المهمة. كما تسلط الضوء أيضًا على الأحداث المناخية المتطرفة، مثل الجفاف والفيضانات، التي ميزت تاريخ المنطقة.
رمز بلدنا، يُعتبر أرز لبنان، مع أنواع أخرى مثل البلوط المتساقط، حراس تاريخنا المناخي. وهذا ممكن بفضل علم الأشجار المناخي، وهي تقنية تسمح بتحديد المناخات الماضية من خلال دراسة حلقات نمو الأشجار التي تتأثر بتلك الظروف. سيسمح ذلك بدراسة تأثير تغير المناخ في المنطقة، بالإضافة إلى «تسهيل إدارة واستغلال الموارد وتأثير بعض الطفيليات على بعض الأنواع مثل Cephalcia tannourinensis، وهو دودة تهاجم أرزات محمية تنورين»، كما يوضح لنا الأستاذ جان ستيفان، أستاذ باحث في الحفاظ على الموارد وإدارتها في الجامعة اللبنانية.
منذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، سمحت العديد من الدراسات التي أُجريت بالعودة إلى الـ 500-600 سنة الماضية، وتحديد فترات الجفاف والأمطار داخل دول حوض شرق البحر الأبيض المتوسط (سوريا، الأردن، لبنان، قبرص، تركيا واليونان) وأحيانًا ربط هذه الفترات بأحداث أخرى ميزت المنطقة، مثل فترة المجاعة التي أثرت على تركيا وسوريا وإيطاليا بين 1590 و1595، حيث سجل الباحثون أطول فترة جفاف في دراستهم، بين 1591 و1595. أثرت أحداث أخرى حتى على بعض القرارات التي اتخذتها الإمبراطوريات المحلية، مثل حظر تصدير الحبوب التي أنتجها الإمبراطورية العثمانية خلال فترة جفاف بين 1570 و1571. «لم نتوقع أن تكون هناك فترة جفاف طويلة كهذه (5 سنوات ملاحظة المحرر) وأن تظهر مرتين خلال الـ 600 سنة الماضية»، يروي الأستاذ ستيفان.
«هذا النوع من الدراسات مثير للاهتمام للغاية أيضًا لإدارة الموارد»، يضيف. من خلال تحديد أنماط الأمطار، يصبح من الممكن تطوير استراتيجيات معينة لإدارة الموارد، وخاصة المياه. «باستخدام نتائج هذه الدراسات نفسها، يمكن تحديد، على سبيل المثال في الأردن، كميات المياه التي يجب تخزينها. إذا كانت سنة جفاف قادمة، يجب إدارة استهلاك المياه من السدود بطريقة تجعلها تدوم لخمس سنوات (وهي الاتجاه في المنطقة وفقًا للإحصائيات ملاحظة المحرر) وليس لسنة واحدة فقط»، يوضح الباحث. تكمن أهمية هذه الأبحاث أساسًا في تطبيقها في استغلال الموارد، مثل تحديد تأثير بعض العوامل على الغابات، مثل تغير المناخ. وقد أثر هذا الأخير بالفعل على نمو الأشجار، الذي في انخفاض، مما يظهر مدى تأثير هذه الظاهرة في المنطقة.

قراءة في الخشب
للوصول إلى مثل هذه النتائج، يجب تلبية العديد من الشروط. كما يوضح لنا الأستاذ جان ستيفان، لـ«قراءة» حلقات النمو، يجب أولاً «البحث عن أشجار قديمة، أكبر من أولى الدراسات المناخية في المنطقة (أي، في لبنان، نصف القرن التاسع عشر ملاحظة المحرر)، وأن تكون قادرة على إنتاج حلقات نمو مرئية نتيجة لانخفاض درجات الحرارة و/أو الرطوبة».
معايير أخرى، مثل عدد الأشجار، تنوع الأنواع، ومساحة الأراضي المراد تحليلها، تتطلب تغطية مناطق شاسعة مثل حوض شرق البحر الأبيض المتوسط. هذه واحدة من الأسباب التي تجعل لبنان، «يمتلك عينات قديمة»، لا يمكن اعتباره بمفرده عند تحليل المناخ. «سيختصر ذلك على المناخ المحلي للمواقع، مما لا يسمح بتحديد الاتجاهات المناخية العالمية وقد يتأثر بعناصر محلية مثل الحرائق، والانهيارات الأرضية، أو هجوم الطفيليات إذا تم اعتبار نوع واحد فقط»، يواصل.
علاوة على ذلك، توجد العديد من القيود في المنطقة: الوجود المبكر للحضارات، ونقص البيانات المناخية، اللازمة للتأكد من العلاقة بين نمو الحلقات وظروف البيئة، تجبر العلماء على توسيع مساحات التحليل.
أخيرًا، لتحليل العينات دون إتلافها، يتم استخراج عينة من الجذع باستخدام مثقاب، والتي سيتم معالجتها بعد ذلك للملاحظة تحت المجهر الثنائي أو باستخدام المجهر. ستسمح العد، وعرض، ومظهر الحلقات الملاحظة بتحديد عمر الشجرة، والظروف التي واجهتها، وتاريخ وفاتها، وذلك بدقة. لقد سمح علم الأشجار المؤرخ بتحليل المناخ، ولكن أيضًا بتفكيك بعض الأساطير، مثل أسطورة الأرز الألفي التي لا تتجاوز مئة عام في لبنان (حيث تُوجد العينات الألفية في تركيا)، وفهم بعض الآفات البيئية. وبالتالي، فإن الحفاظ على غاباتنا يضمن الحفاظ على التاريخ المناخي لأرضنا.


جان ستيفان أستاذ مشارك في كلية العلوم بالجامعة اللبنانية، متخصص في الحفاظ على التنوع البيولوجي وإدارة الموارد الطبيعية. مهندس زراعي سابق في وزارة الزراعة ورئيس سابق لقسم التنمية الريفية والموارد الطبيعية في جبل لبنان، يتعاون مع منظمات دولية في مشاريع تتعلق بإدارة الغابات، والتخطيط الاستراتيجي للأراضي، والتكيف مع تغير المناخ، ودراسات التأثير البيئي.
عضو نشط في الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (مجموعة المتخصصين في الأشجار)، وجمعية البلوط الدولية، والرابطة الدولية لإدارة الغابات، تركز أعماله على التنوع البيولوجي واستخدامه المستدام في سياق تغير المناخ.